اختطاف
اختطاف
فاتن الجابري
انتظرته طويلاً هذا المساء ، الدقائق تبعثر شتات روحها ... رائحة خبز التنور المنبعثة من بيت جارتها ذكرتها أنها لم تأكل منذ الصباح حين أعدت له فطوره ، هاتفها المحمول على الطاولة يرقد في صمت مريب ، يحرك فيها هلعاً وهواجس يرتعد قلبها بين ضلوعها حين تمر في خاطرها ، من فتحات الباب تنظر إلى الشارع الخالي من المارة بعد أن هدأ الاطفال واندسوا في بيوتهم ، كل شئ هادئ ، حركة السيارات توقفت تماماً منذ غروب الشمس لسريان حظر التجوال في المدينة .
هاتفه المحمول مغلقاً طوال النهار .. حين كررت محاولة الاتصال به ، ارتجف في يدها ، و انفرجت أساريرها ، لمحت رقم هاتفه ، و بصوت مختنق صاحت : أين أنت لقد قتلتني رعباً ، صوت غريب يأتيها :
ـ أيتها السيدة زوجك عندنا لديك فرصة لترينه مرة أخرى بعد ثلاثة أيام .. ارتعشت الكلمات في فمها قبل أن تجيب :
ـ عشرون ألف دولار ؟
شهقت ... لكنها استدركت متظاهرة بالثبات والقوة .
ـ حسن ومن يضمن لي سلامته الآن ؟
لحظات صمت جاءها صوته خافتاً ومرتعداً يهتف باسمها :
ـ أرجوك أرجو .......
ولا شيء سوى الصمت ، جالت بصرها في بيتها بأثاثه القديم وفرشه المتهرئ .. جهاز تلفاز صغير وسجادة صغيرة جردت وحلكت ألوانها ، اثنان وسبعون ساعة تخالها دهراً دون أن تراه .... لكنها تخشى مرورها سريعاً ، دون تمكنها من جمع المبلغ الكبير ، تلفها وحشة البيت وساعة تعدو بلا اكتراث ، ساعات ثلاث احترقت من زمنها الملغوم بالتوجسات ، تدخل سريرها البارد تسحب الغطاء إلى صدرها تترك ضوء المصباح مضاءاً قبل أن يقطع التيار الكهربائي ...
صوت الهاتف يرن مرة أخرى ، تتلمسه في الظلام وكل خلية في روحها ترتعد ... صوته هذه المرة ، تصرخ :
ـ هل عدت ؟
يقاطعها...
ـ الآن وصلت لاتقلقي .
تفرك عينيها تبحث عن شمعة ، تذكرت أنها نستها في المطبخ ، تسمع خطواته ، تشم رائحته .. تهرع إليه تتعثر ثم ترتمي في أحضانه ..
ـ ألف مرة قلت لك لا أحتمل مزاحك الثقيل ..
يوقد شمعة حمراء ... يحتضن خصرها بحب ويداعب خصلات شعرها ، ويميل على وجهها مقبلاً عينيها .. وقد أرختهما في حب واشتعال ... وكل جوارحها تتنشق رائحته وتنغمر بلهيب محبته ، تشعر بسخونة وجنتيها وقطرات عرق تندى بها جبينها من حرارة المصباح المنضدي الذي عاد إليه التيار الكهربائي بعد عدة ساعات ، مدت يدها تمسح جبينها صدمها الضوء .. وساعة تحرق بهجتها بقسوة ..
تطرق الأبواب....تبيع بيتها الصغير .. تجري تتحدى الساعات ، و تنتصر ، تقف وحيدة في شارع مهجور في يدها كيس أسود وهاتف تنتظر بشائر رناته كل لحظة ، بقوة تضم إلى صدرها فدية حبيبها الذي لا تدري إلى أي مكان سيذهبان حين يعود ، بدأت المخاوف تحتل تفكيرها بمرور ساعات طوال من الانتظار في طريق مقفرة وموحشة على الطريق الخارجي للمدينة ، قرص الشمس أخذ بالتواري والنزول في الأفق البعيد ... رقص قلبها وهي تلمح أضواء سيارة قادمة نحوها ... على بضع أمتار يترجل رجلان ، يخطف أحدهما كيسها الأسود ، وعلى الإسفلت الساخن يلقيان جثة رجل غطت ملامحه شلالات الدم المتدفقة من رأسه ثم .. يختفيان بلمح البصر.
من مجموعة
سرير البنفسج
|